الشيخ محمد حسين الحائري

400

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

في جواز التجزي هذا ولقائل أن يقول لا نسلم حجية ظن من كان مجتهدا مطلقا في الأصول بالنسبة إلى المسائل الظنية منها ما لم يكن مجتهدا مطلقا في الفقه اقتصارا فيما خالف الأصل على موضع ثبت فيه الوفاق ولأن العمل بالظن حيث لا دليل عليه بالخصوص مبني على انسداد باب العلم وبقاء التكليف ولا دليل على أن من لا يكون مجتهدا مطلقا في الفقه مكلف بالبناء على حجية الأدلة الظنية أو جواز الاخذ بمقتضاها نعم لو ثبت جواز التجزي في الفقه لزم منه جواز تعويله على الظن فيما يفتقر إليها فيه لكن يبقى معه إشكال الدور بحاله ولا يخفى ما فيه فإن ظنيات علم الأصول كظنيات العلوم العربية فكما يصح تعويل العارف الخبير بتلك العلوم على الظنون المقررة فيها وإن لم يكن له خبرة بعلم الفقه فكذلك الحال في الأصول ثم لا نسلم أن رجوعه في ذلك إلى فتوى المجتهد يوجب الخروج عن محل الفرض إذ المقصود إثبات جواز التجزي بأي وجه كان كما يساعد عليه إطلاق العنوان هذا وتحقيق المقام أن المتجزي أن قطع بحجية ظنه تعين عليه البناء عليه كما أنه لو قطع بعدم حجيته تعين عليه التقليد لكن يبعد فرض القطع له في ذلك لانتفاء ما يوجبه ولتصادم الأدلة من الجانبين فغاية ما يمكن فرضه في المقام حصول ظن له بأحد الامرين أو قيام ما يظن حجيته عنده عليه والتحقيق حجية هذا الظن في حقه لانسداد باب العلم عليه مع قطعه ببقاء التكليف فإن ذلك يوجب فتح باب الظن عليه فيعول على ظنه بأحد الامرين أو بدليله إن عثر به والمعتمد هو الثاني وقد مر تحريره في مبحث حجية خبر الواحد وقد عرفت مما حققناه رجحان أمارة التقليد في حق المتجزي بعد التقليد ورجحان أمارة جواز التجزي في حق المجتهد المطلق المتسافل إلى درجة التجزي قضاء لحكم الاستصحاب في حق كل منهما وأما من بلغ متجزيا فقد عرفت تعارض الأدلة في حقه مطلقا أو بالنسبة إلى الحكم التكليفي وقضية ذلك التخيير في مورد التعارض ثم إن أصاب المتجزي في فكره وساعد نظره على ما ذكرناه بنى عليه وإلا فاللازم عليه الاخذ بمقتضى نظره ولو عجز عن الاجتهاد في مسألة التجزي تعين عليه الرجوع فيها إلى المجتهد المطلق لان ذلك وظيفة الجاهل العاجز ولا يجوز له العمل بالاجتهاد أو التقليد حينئذ فيما يمكنه الاجتهاد فيه قبل المراجعة كما لا يجوز له ذلك قبل الترجيح فإن قلد من أفتى له بالتقليد قلد ولا إشكال وإن قلد من أفتى له بجواز التجزي فالظاهر جواز تعويله على نظره فيتركب مأخذ الحكم عنده من الاجتهاد والتقليد ويظهر من صاحب المعالم استبعاد ذلك من حيث إنه غير معروف وعلى تقديره فليس لمن قال بجواز التجزي أن يفتي لمقلده به بل يتعين عليه أن يعين التقليد فيرجع قوله بجواز التجزي إلى أن المتجزي إن ساعد نظره وأصاب فكره رجح جواز التجزي أو أنه يجوز له التجزي على تقدير إصابته لذلك من غير طريق التقليد ولو علم المتجزي بذلك ولو بظن معتبر عنده سقط عنه التقليد في ذلك وتعين عليه التقليد في الفقه ابتدأ الثالث في حجية نظره في حق غيره والحق عدم حجية له بناء على حجيته في حق نفسه مع التمكن من الرجوع إلى المجتهد المطلق للأصل ويظهر من رواية أبي خديجة المتقدمة بناء على ما فهموا منها جواز المرافعة إليه في الحكومات وهو يستلزم جواز المراجعة إليه في الفتوى أيضا فيما يظهر من الأصحاب لكن قد عرفت ضعف الرواية سندا ودلالة وعدم نهوضها دليلا وحجة نعم لو تسافل المجتهد المطلق إلى التجزي وقلده حال الاطلاق اتجه القول ببقائه على تقليده ما لم يرجع عنه للأصل السالم عن المعارض وفي بقائه عليه مع رجوعه عنه حال التجزي وجهان ولو دار الامر بين تقليد المتجزي أو الميت قدم المتجزي لأنه أقرب الامارتين لمصير جماعة إلى القول بحجية قوله بخلاف الميت وكذا الكلام في المتجزي إذا دار الامر بين عمله باجتهاده أو تقليد ميت وعلى هذا فقد يجب عليه التقليد فيما يعتبر فتواه فيه بالنسبة إلى غيره كما إذا سبق منه تقليد حي أو قلد من ثبت عنده اجتهاده أو عدالته ولم يتحقق ذلك بالنسبة إلى غيره فصل يعتبر في المجتهد المطلق أن يكون متمكنا من استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من مآخذها وذلك يتم بأمور منها معرفة اللغة والنحو والتصريف لان من جملة الأدلة الكتاب والسنة وهما عربيان لا يمكن معرفة معانيها إلا بالعلوم المذكورة فلا بد من الاطلاع عليها قدر ما يتوقف معرفة مواضع الحاجة منها عليه ولا يلزم استحضار مباحثها المحتاج إليها بل يكفي تمكنه من الاستعلام ولو بمراجعة كتاب معتمد عليه ويدخل في معرفة اللغة معرفة المعاني العرفية الثابتة في زمن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام ثم هذا الشرط إنما يعتبر غالبا بالنسبة إلى أمثال زماننا حيث اندرس فيه اللغة العربية وانحصر سبيل معرفتها في المراجعة إلى الكتب المدونة وأما بالنسبة إلى العرب الموجودين في زمن النبي والأئمة عليهم السلام فلا حاجة لهم إلى معرفة هذه العلوم المحررة وكذا الحال في جملة من الشرائط الآتية ولو أريد بهذه العلوم غاياتها اشترك وجه الحاجة بين الجميع وزاد بعضهم فيها معرفة علم المعاني والبيان لتوقف معرفة جملة من النكات التي لها مدخل في معرفة المعنى وتميز الأفصح عن الفصيح والفصيح عن غير الفصيح في مقام التعارض على العلم المذكور وهو حسن لكن كثيرا ما يستغني بوجدانه الذكي المتدرب في طرق المحاورات عن الرجوع إلى العلم المذكور ومنها معرفة ما يبتني عليه صورة الاستدلال من المباحث المنطقية تمييزا بين صحيح الدليل وفاسده ومنتجه وعقيمه وربما يقل الحاجة إليها لان الغالب في مقام الاستدلال صوغ الدليل على هيئة الشكل الأول أو القياس الاستثنائي وكلاهما متضحا الانتاج فيندر موارد الاحتياج ومنها معرفة ما يتوقف عليه